لم تعد المسألة مجرد تكهنات أو تحليلات سياسية، فالأقنعة قد سقطت رسمياً من على شاشات التلفزة العالمية، لتكشف عن عمق المأساة والملهاة التي تعيشها النخب السياسية لـ “شرعية الفنادق”. عندما يخرج صوت الشرعية وواجهتها الرسمية وزير الإعلام معمر الإرياني في 2 مارس 2018 عبر برنامج “بلا قيود” على قناة BBC عربي ليعلن بملء فيه أن “الحكومة لم تقرر دخول صنعاء بل محاصرتها لإجبار الحوثي على التفاوض”، وتتطابق معها عقيدة عسكرية تجميدية نُسبت لوزير الدفاع الأسبق محمد المقدشي، فإننا لا نتحاور هنا مع تكتيك عسكري، بل نُجابه “فضيحة أخلاقية” وسياسية مكتملة الأركان.
هنا تبرز ازدواجية المعايير الفاضحة وتتجلى التفرقة المناطقية بأبشع صورها؛ فلو أن مليشيات الحوثي كانت قد احتمت بمدينة عدن أو أي مدينة جنوبية أخرى، هل كان هذا الوزير أو غيره سيتذرع بـ “تجنب حرب الشوارع” أو يصرح بأنهم لن يدخلوها؟! بالطبع لا، بل كانوا سيهرعون لإستباحتها عسكرياً وتدميرها فوق رؤوس ساكنيها تحت لافتة التحرير تماماً كما فعلوا سابقاً. لكن عندما يتعلق الأمر بصنعاء أو تعز او اي من مناطقهم، تظهر فجأة “الحكمة” المزعومة وتُخترع مبررات التفاوض والمهادنة ليتبين أن حماية الحاضنة المشتركة وتقاسم الأدوار العائلية فوق كل اعتبار.
هذه التصريحات تفند بوضوح مآلات الصراع، حيث يبدو جلياً أن القوى التقليدية في اليمن لا تملك النية الحقيقية للتضحية أو التحرير. إنهم لا يضحكون على العالم أو على الأشقاء في التحالف فحسب، بل يمارسون عملية “ابتزاز واستثمار” ممنهجة لإطالة أمد الحرب. الحرب بالنسبة لهذه الواجهات ليست معركة كرامة لاستعادة دولة، بل هي “وظيفة بامتياز” تضمن تدفق الميزانيات، وحجز المناصب، والعيش الرغيد في العواصم الفارهة مستغلين حاجة الإقليم لتأمين حدوده لتكديس الأموال وتأمين مصالح عائلاتهم.
وفي مقابل هذا التخاذل والاستثمار السياسي، يقف المشهد في الجنوب على النقيض تماماً؛ حيث قدمت القوات المسلحة الجنوبية وقوات العمالقة تضحيات جسيمة ودماء طاهرة في شتى الجبهات. لم يقاتل الجنوبيون من أجل مقاولات سياسية، بل انتزعوا حريتهم وكسروا المشروع المدعوم من إيران بصدق وعقيدة قتالية صلبة. هذه المفارقة الصارخة تطرح السؤال الوجودي والأكثر إيلاماً: لمصلحة من يستمر استنزاف دماء خيرة شباب الجنوب في جبهات يُقرر قادتها السياسيون سلفاً عدم اقتحامها أو حسمها؟ إن الشارع الذي يرى الفساد ورواتب الناشطات الفلكية لم يعد يبتلع الوعود الزائفة، ولن يطول صمته على قادة يتاجرون بالدماء من داخل الغرف المكيفة.
