حين يشتد وطيس المعارك وتضيق بالحالمين الأرض بما رحبت يلوذ الأحرار بـالخنادق، ويلوذ قادة ما يسمى “الشرعية” بـالفنادق.
في زمن التحولات الكبرى نجحت هذه الفئة الفريدة في اجتراح معجزة نضالية لم يسبقهم إليها أحد: “النضال عبر خدمة الغرف”، وخوض غمار المعارك الوجودية في مواقع التواصل ومن وراء الشاشات، وتحت أسقف الأجنحة الملكية المكيفة في الرياض وإسطنبول والقاهرة.

لقد تحول هؤلاء ممن يسمون أنفسهم “قادة” مع طول البقاء والمكوث في غرف “الفايف ستارز”، إلى “كائنات ترف فندقي”.
كائنات سياسية مترهلة غادرت جغرافيا المعاناة واستمرأت العيش الرغيد على حساب ملايين الجوعى من الشعب.
ينتقل “المناضل” منهم بين بوفيهات الفطور المفتوحة وزيارات المجاملات العقيمة، وقد انتفخت أوداجه وتورمت كرشه، ليس من هموم الوطن، بل من “ساندوتشات” الهمبرجر ودسم الموائد في مطاعم المندي.

المفارقة الساخرة تكمن في أن هؤلاء يعتقدون واهمين أنهم ما زالوا يمثلون الشعب.. يرتدون أفخر البدلات ويضعون أحدث العطور ثم يخرجون على القنوات الفضائية ليعطوا دروساً في الصمود والتضحية لأناس يتضورون جوعاً في الداخل، أو يقبعون في خنادقهم يقتاتون على الفتات، يفترشون التراب ويلتحفون السماء.
إنه “النضال الفندقي” في أبهى صوره حيث تُقاس التضحية بعدد النجوم التي يحملها الفندق، ويُحسب الإنهاك الوطني بعدد ساعات السفر في درجات “القادة” ورجال الأعمال.

لقد كرهت هذه “الشرعية” الخنادق لأنها تعني الغبار والبرد والمواجهة الحقيقية مع الموت والمسؤولية.
بينما الفنادق توفر الأمان والبدلات الدبلوماسية وبدل السفر اليومي بالعملة الصعبة.. لقد استبدلوا تراب الوطن بسجاد “الموكيت” الفاخر، وصار أقصى طموحهم السياسي الحفاظ على تدفق المخصصات المالية، وضمان تمديد الإقامة في عواصم الشتات.

إن هذه الظاهرة المعيبة ظاهرة “الترهل السياسي”، أسقطت عن هذه الفئة آخر ورقة توت أخلاقية.. فالشرعية ليست لقبا يمنحه الأجنبي، ولا ختماً يُحمل في الحقائب الدبلوماسية، ولا بياناً يُصاغ في ردهات الفنادق، بل هي التحام حقيقي بوجع الأرض ومعاناة الناس.
لقد تضخمت بطون هؤلاء من أموال الإعاشات وبدلات الاغتراب، بينما جفت عروق الوطن والمواطن.
وحين تختار النخبة أن تكون “الفنادق” وطنها البديل، فإنها تسقط تلقائياً من حسابات “الخنادق” التي يصنع رجالها اليوم ملامح المستقبل الحقيقي بعيداً عن كشوفات الرواتب المغتربة.