رصد ومتابعة شبوة برس الثقافية

في ديسمبر 1958، أطلّت مجلة «العربي» الكويتية على القراء العرب بغلاف أصبح واحدًا من أشهر أغلفة المجلات الثقافية العربية، يحمل صورة فتاة كويتية شابة تبتسم وهي تمسك بعذق من تمر العراق. لم يكن الغلاف مجرد صورة لعدد جديد، بل كان إيذانًا بميلاد منارة ثقافية، وهديّة من الكويت إلى العالم العربي.

صدر العدد الأول في عهد رئيس تحريرها الأول، العالم والأديب المصري الدكتور أحمد زكي، الذي أرسى للمجلة نهجًا يقوم على المعرفة الواسعة، والتنوع الثقافي، والانفتاح على مختلف أقطار العالم العربي. ومنذ انطلاقتها، بدأت «العربي» رحلتها الشهرية، لتتحول مع مرور العقود إلى نافذة واسعة يطل منها القارئ على الأدب والفكر والعلم والفنون.

رصد شبوة برس ما كتبه أبو نور رضا عن مسيرة المجلة، التي لم تكن مجرد صفحات تُقرأ ثم تُطوى، بل موعدًا ثقافيًا ينتظره القراء كل شهر، وجسرًا يصل العرب بعضهم ببعض، من المحيط إلى الخليج. وعلى صفحاتها اجتمعت أسماء بارزة، من طه حسين وعباس محمود العقاد ونزار قباني ويوسف إدريس، إلى أجيال متعاقبة من الأدباء والمفكرين والعلماء والفنانين.

وعلى امتداد أكثر من ستة عقود، واصلت «العربي» حضورها الثقافي، ولم ينقطع صدورها إلا لمدة سبعة أشهر خلال فترة الاحتلال العراقي للكويت، من أغسطس 1990 إلى فبراير 1991، قبل أن تستأنف رحلتها وتستعيد حضورها في الذاكرة العربية.

وبلغت مسيرتها نحو 792 عددًا ورقيًا، حتى توقف الإصدار الورقي بنهاية عام 2024، مع العدد 792 لشهر نوفمبر، بحسب ما يورده الكاتب، نتيجة انتهاء العقد مع المطبعة وتحديات التوزيع. غير أن توقف النسخة الورقية لم يضع حدًا للحكاية، إذ واصلت المجلة حضورها إلكترونيًا من خلال أرشيفها الرقمي ومنصاتها الرسمية، متمسكة برسالتها التي تختصر فلسفتها منذ التأسيس:

«يكتبها عرب ليقرأها كل العرب».

عواطف العيسى.. وجه الغلاف الذي خلّدته الذاكرة

ارتبط غلاف العدد الأول باسم الفتاة الكويتية عواطف العيسى، التي أصبحت لاحقًا عواطف القناعي. فقد تحولت صورتها وهي تحمل عذق تمر العراق إلى جزء من تاريخ المجلة وذاكرة قرائها، لتصبح رمزًا بصريًا للحظة ميلاد «العربي».

وبعد خمسين عامًا، عادت عواطف إلى الواجهة، حين تصدرت العدد الذهبي رقم 589، الصادر في ديسمبر 2008، بمناسبة اليوبيل الذهبي للمجلة، حاملة العدد الأول نفسه. وكأن الزمن أعاد الصورة إلى لحظتها الأولى، رابطًا بين فتاة الأمس وتاريخ مجلة عاشت في وجدان أجيال عربية متعاقبة.

وفي 24 أبريل 2026، توفيت عواطف العيسى عن عمر ناهز 88 عامًا، وفق ما أورده الكاتب، لتبقى صورتها الأولى حاضرة في ذاكرة مجلة ارتبط اسمها بتاريخ الثقافة العربية الحديثة.

«العربي».. حين كانت الثقافة موعدًا شهريًا

لم تكن «العربي» مجلة تُقرأ ثم تُنسى، بل كانت ذاكرة عربية مفتوحة، ونافذة على المعرفة والجمال، ومساحة للحوار بين الأدباء والمفكرين والعلماء والفنانين. ومن خلال صفحاتها، تعاقبت أجيال من الكتاب والشعراء والمثقفين، وبقيت شاهدة على تحولات المجتمعات العربية وأحلام قرائها.

ستة عقود وأكثر مرت، تغيرت خلالها الأجيال، وتطورت وسائل القراءة، وانتقلت الصحافة من الورق إلى الشاشة، لكن اسم «العربي» ظل حاضرًا في الذاكرة، شاهدًا على مرحلة مهمة من مسيرة الثقافة العربية.

وكانت المجلة واحدة من أبرز الهدايا التي قدمتها الكويت إلى الثقافة العربية، منبرًا جمع تجارب العرب على اختلاف بلدانهم، ورسالة تؤكد أن المعرفة قادرة على بناء الجسور وتجاوز الحدود.

وهكذا، لم تكن «العربي» مجرد مجلة بدأت بصورة فتاة كويتية تحمل عذقًا من تمر العراق، وإنما كانت بداية حكاية طويلة من التواصل الثقافي العربي؛ حكاية امتدت لعقود، وعاشت في البيوت والمكتبات والذاكرة، واختزل غلافها الأول معنى ثقافيًا جميلًا: أن يكتب العرب للعرب، وأن تظل المعرفة جسرًا يصل المشرق بالمغرب.

العربي لم تكن مجرد مجلة، بل كانت ذاكرة أمة، ونافذة على العالم، وموعدًا شهريًا انتظره القراء العرب بشغف لعقود طويلة.

بقلم: أبو نور رضا

المصدر: مع رضا الطيب الغلبان