شهدت الجغرافيا السياسية لجنوب البحر الأحمر تحولاً دراماتيكياً مباغتاً تمثّل في السيطرة الحوثية المفاجئة على مضيق باب المندب وجزيرة ميون ومناطق الساحل الغربي.
هذا التطور الميداني ليس مجرد إزاحة لخطوط التماس العسكرية، بل هو إعادة هندسة شاملة لموازنات القوة ووضع اليد على شريان الملاحة الدولية الأكثر خطورة في العالم مما يفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات عميقة حول مآلات هذا التقدم ووجهته القادمة والدوافع الحقيقية وراء هذا السقوط الدراماتيكي.
إن طبيعة الانسحابات السريعة والمباغتة من مواقع حاكمة كالمخا وذباب لا يمكن تفسيرها وفقاً للمنطق العسكري البحت، بل تقود مباشرة إلى فرضية “التفاهمات الصامتة” والصفقات العابرة للحدود.
يبدو أن هناك قوى إقليمية ودولية منحت “ضوءاً أخضر” لتمرير هذا التحول؛ بهدف خلط الأوراق وإرباك المشهد الدولي لا سيما بعد أن اتجهت كل الأنظار نحو مضيق هرمز.
وفي المقابل لا يمكن استبعاد فرضية “الانتقام السياسي”؛ حيث تبدو هذه التطورات كعقاب مبطن وجّهته أطراف محددة للمجتمع الدولي والمنظومة العالمية التي اكتفت لسنوات طويلة بالتفرجة والمراقبة والمقاربات الهشة أمام التمدد الحوثي، فجاءت الصدمة لتدفع العالم بأسره نحو مواجهة الكلفة الباهظة لصمته.
أما عن الوجهة القادمة لهذا التمدد فإن المؤشرات الميدانية والتحشيد المستمر يضعان المحافظات الجنوبية، وتحديداً لحج وعدن في دائرة الخطر المباشر.
ومع ذلك فإن الطبيعة الاستراتيجية لباب المندب تجعل الوجهة الحقيقية ليست مجرد توسع جرافي داخلي، بل هي محاولة حوثية ومن ورائها طهران لفرض شروط تفاوضية دولية جديدة، وتحويل المضيق إلى منصة ابتزاز عالمية للتحكم بأمن الطاقة والتجارة عبر البحار.
في المحصلة: إن سقوط باب المندب في قبضة الحوثيين يعكس حقيقة أن الملف اليمني بات يُدار بالكامل ضمن توازنات إقليمية ودولية معقدة تُستخدم فيها الأرض اليمنية كأوراق ضغط وتفاوض.
وسواء كان هذا التقدم نتاج تفاهمات سرية لتقاسم النفوذ، أو صرخة انتقام ضد التخاذل الدولي، فإن النتيجة الواحدة هي أن الممر المائي الدولي الأهم بات رهينة لمعادلات جديدة، وأن انفجار المشهد في لحج وعدن بات مسألة وقت ما لم تتغير القواعد اللوجستية والسياسية المفروضة على الأرض.