هناك سياسيون تتغير مواقعهم، وهناك من تتغير مبادئهم كلما تغيّر الموقع. لكن أن ينتقل رجل من صدارة المطالبين بدولة الجنوب إلى موقع يبدو معه مشروعه الجديد متجهًا إلى تفكيك وحدة الصف الجنوبي، فذلك ليس مجرد تغيير في الأسلوب، بل انقلاب على الموقف الذي صنع حضوره السياسي.

*- تقرير / خاص شبوة برس – خاص

ورصد محرر شبوة برس إعلان عبدالرحمن شيخ تأسيس “مجلس عدن التنسيقي”، وما رافقه من تقديمه باعتباره إطارًا استشاريًا ومجتمعيًا لا علاقة له بالسياسة، بينما يرى منتقدوه أن هذا الغطاء الناعم يخفي مشروعًا سياسيًا من شأنه تكريس التجزئة وإضعاف وحدة الصف الجنوبي.

والأشد استفزازًا أن عبدالرحمن شيخ ليس رجلًا طارئًا على قضية الجنوب؛ فقد كان في مقدمة المطالبين بدولة جنوبية، وارتبط اسمه بالمجلس الانتقالي الجنوبي وقيادته، قبل أن ينتقل إلى موقع محافظ عدن، ليظهر اليوم بمشروع يمكن أن يُقرأ باعتباره طعنًا في الظهر للمشروع الجنوبي الذي كان أحد وجوهه.

لقد استبدل الرجل، بحسب منتقديه، خطاب الدولة الجنوبية بخطاب المجالس المحلية، واستبدل مشروع توحيد الجنوبيين بإطار جديد يبدأ من عدن، بما يهدد بتحويل الخصوصيات المحلية إلى أدوات لتفكيك القضية الجامعة.

وهذا ليس اختلافًا عابرًا في وجهات النظر، بل تراجع سياسي عن مبدأ كان الرجل نفسه في صدارة المدافعين عنه، ومحاولة لإعادة تعريف الجنوب وفق مقتضيات المنصب الجديد، بدل الوفاء للمشروع الذي منحه حضوره ومكانته.

فحين يتحول المدافع عن وحدة القضية الجنوبية إلى صاحب مشروع يضيف كيانًا جديدًا داخل عاصمتها، وحين يصبح الحديث عن الدولة الجنوبية أقل حضورًا من الحديث عن المجالس التنسيقية، فإن الأمر يبدو أقرب إلى التنصل من العهد الوطني منه إلى مجرد ممارسة إدارية.

والجنوب ليس عدن وحدها، وعدن ليست جزيرة سياسية منفصلة عن محيطها الجنوبي. وأي مشروع يؤدي إلى تفتيت الإرادة الجنوبية أو توزيعها بين مراكز محلية متنافسة يخدم، في المحصلة، خصوم القضية أكثر مما يخدم أبناءها.

لقد باع الرجل، وفق هذا التوصيف السياسي، جزءًا من مبدئه القديم مقابل موقع جديد، وحاول أن يطعن المشروع الجنوبي من داخله، مستخدمًا لغة “التنسيق” و”الاستشارة” لتغطية مسار يرى منتقدوه أنه يضرب وحدة الجنوب السياسية والمجتمعية.

أما القول إن المجلس “لا علاقة له بالسياسة”، فلا يغير من حقيقة أن السياسة ليست دائمًا في الاسم، بل في النتائج التي تترتب على إنشاء الكيانات وترتيب مراكز النفوذ.

والمؤلم أن من كان بالأمس يتقدم الصفوف دفاعًا عن دولة الجنوب، بات اليوم، من موقعه الرسمي، جزءًا من مشهد قد يؤدي إلى تشتيت الصف الجنوبي وإضعاف قضيته.

هذه ليست مراجعة موقف بريئة، بل انقلاب على خطاب الأمس، وتنكر لتضحيات الجنوبيين، واستخدام للمنصب في مسار يهدد بتفتيت ما ناضل الجنوبيون طويلًا من أجل توحيده.

لقد كان الجنوب بالنسبة لعبدالرحمن شيخ يومًا قضية ودولة وحقًا وطنيًا.

أما اليوم، فيبدو أن الكرسي أصبح أقوى من العهد، والمنصب أثقل من الذاكرة، والمصلحة الشخصية أكثر حضورًا من المبدأ.

والتاريخ لا ينسى من وقف مع القضية حين كانت ثمنًا، ولا من تخلى عنها حين أصبح ثمن التخلي عنها منصبًا.