الإعلام الجنوبي في مرمى القصور.. لماذا لا تتحول تضحيات المقاتلين إلى ملفات دولية؟

*- شبوة برس – خاص
طرح أستاذ القانون الدولي في المغرب العربي، د. توفيق جزوليت، تساؤلات جوهرية بشأن قدرة الإعلام الجنوبي على تحويل الوقائع الميدانية في الحرب ضد مليشيات الحوثي إلى ملفات معلومات موثقة قادرة على التأثير في الرأي العام الدولي ومؤسسات صنع القرار، داعياً إلى إنشاء مركز جنوبي للتوثيق والإعلام الدولي يتولى ربط الميدان بالإعلام والقانون والدبلوماسية.

ويرى شبوة برس أن جوهر هذا الطرح يكشف عن ثغرة مؤسسية تستحق المواجهة الصريحة: فالقوات الجنوبية التي تخوض المعارك دفاعاً عن أرض الجنوب العربي وصدّ التوسع الحوثي لا يكفي أن تحقق الوقائع الميدانية أو تنشر بيانات الانتصارات، ما لم تتحول هذه الوقائع إلى سجل موثق ومنظم يصل إلى العالم بلغته وأدواته ومؤسساته.

*معركة الجنوب لا تنتهي عند خطوط النار

لم تعد الحروب الحديثة تُحسم بالسلاح وحده؛ فهناك معركة موازية على الرواية والمعلومة والأدلة، وعلى قدرة كل طرف على تقديم روايته بصورة يفهمها الإعلام الدولي والمنظمات الحقوقية والمؤسسات السياسية.

وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي ألا تهرب منه المؤسسات الجنوبية: هل توجد منظومة متكاملة تجمع الصور والشهادات والخرائط والبيانات الميدانية، وتتحقق من توقيتها ومكانها، ثم تحولها إلى ملفات قابلة للاستخدام الإعلامي والقانوني والدبلوماسي؟ أم أن جانباً مهماً من الجهد لا يزال موزعاً بين منصات متعددة، تتحرك غالباً مع الحدث بدلاً من أن تستعد له وتبني ملفات متراكمة بشأنه؟

ويرى شبوة برس أن القصور، إن استمر هذا التشتت، لا يكمن بالضرورة في غياب الإعلاميين أو نقص الوقائع، بل في ضعف تحويل الجهد الإعلامي إلى عمل مؤسسي طويل النفس. فسرعة نشر الخبر مهمة، لكن قيمته الاستراتيجية تتضاعف عندما يصبح جزءاً من أرشيف وطني موثق يمكن الرجوع إليه والاستناد إليه أمام المؤسسات الدولية.

*من رد الفعل إلى صناعة الرواية بالأدلة

إن نشر البيانات العسكرية والتصريحات السياسية والصور الميدانية، مهما بلغت كثافته، لا يعادل وجود مركز متخصص يجمع الأدلة ويصنفها ويفهرسها، ويعد تقارير دورية باللغات الدولية، ويضعها أمام الصحافة العالمية ومراكز الأبحاث والمنظمات الحقوقية والجهات المعنية.

والمطلوب ليس مجرد منصة إعلامية جديدة تحمل اسماً مختلفاً، بل منظومة عمل متخصصة تضم أربعة مسارات مترابطة: التوثيق الميداني، والإعلام الدولي، والدراسات القانونية، والعلاقات الدولية.

فالتوثيق يحفظ الوقائع، والإعلام يضعها أمام الرأي العام، والعمل القانوني يدرس دلالاتها وفق القواعد ذات الصلة، فيما تتولى العلاقات الدولية إيصال الملفات إلى الجهات التي يمكن أن تستفيد منها في عملها. ومن دون هذا الترابط، قد تبقى الوقائع الجنوبية حاضرة في المنصات المحلية، لكنها أقل تأثيراً مما ينبغي في النقاش الدولي.

*المصداقية لا تُبنى بالشعارات

ويشدد شبوة برس على أن نجاح أي مركز جنوبي للتوثيق والإعلام الدولي يتطلب معايير مهنية صارمة، تشمل حفظ المواد الأصلية، والتحقق من مصادرها، وتوثيق الزمان والمكان، وفصل الوقائع المثبتة عن التقديرات والادعاءات التي لا تزال بحاجة إلى تحقق.

كما ينبغي ألا تقتصر هذه المنظومة على توثيق ما ينسب إلى الحوثيين أو خصوم الجنوب، بل أن تكون قادرة على التعامل المهني مع أي ادعاءات أو انتهاكات محتملة تتعلق بالقوات الجنوبية نفسها. فالمصداقية التي تمنح الملف وزنه الدولي لا تُكتسب بالانتقائية، وإنما بالالتزام بالأدلة والمعايير نفسها في جميع الحالات.

*المجلس الانتقالي أمام استحقاق مؤسسي

إن إنشاء مركز جنوبي للتوثيق والإعلام الدولي، تحت إشراف مؤسسي واضح وبكوادر متخصصة، يمثل خطوة تستحق الدراسة الجادة من المجلس الانتقالي الجنوبي العربي. على أن تكون مهمته أوسع من الدعاية السياسية، وأن يمتلك قاعدة بيانات متراكمة، وفريقاً قانونياً وإعلامياً، وقدرة على إعداد تقارير احترافية بالإنجليزية والفرنسية، والتواصل المنتظم مع المؤسسات الدولية ووسائل الإعلام ومراكز الدراسات.

ولا ينبغي أن يتحول المركز إلى مكتب لإعادة نشر البيانات أو تكرار الخطاب السياسي ذاته؛ فالمطلوب إنتاج معرفة موثقة، وتقديم ملفات قابلة للفحص والمراجعة، وبناء شبكة اتصال مستمرة مع الجهات الدولية، لا الاكتفاء بمراسلات موسمية تتحرك بعد وقوع الأحداث.

ويرى شبوة برس أن الجنوب العربي بحاجة إلى الانتقال من تعدد المنابر إلى تكاملها، ومن الاكتفاء بإعلان المواقف إلى بناء الأدلة، ومن متابعة الحدث إلى حفظ تفاصيله وإعداد ملفاته قبل أن تطويها تطورات الميدان.

فالمقاتل الجنوبي الذي يدافع عن أرضه يحتاج إلى إعلام ينقل حقيقة ما يجري، ومؤسسات تحفظ الوقائع، وكفاءات قانونية تدرسها، وقنوات دبلوماسية توصلها إلى العالم. أما ترك هذه الوظائف متفرقة ومن دون تنسيق مؤسسي، فيعني إهدار جانب من القيمة السياسية والقانونية للوقائع التي يصنعها الميدان.

المعارك قد تتوقف، وتتغير خطوط المواجهة، لكن الوثائق المنظمة تظل شاهداً يمكن الرجوع إليه. ومن هنا فإن بناء جبهة جنوبية للتوثيق والقانون والإعلام الدولي ليس ترفاً إدارياً، بل استحقاق ينبغي أن يواكب تضحيات القوات الجنوبية وحجم القضية الوطنية التي يدافع عنها الجنوب العربي.

الإعلام الجنوبي مطالب بتوثيق معارك القوات الجنوبية ضد الحوثيين بالأدلة والشهادات وتحويلها إلى ملفات دولية. ويرى شبوة برس أن مركزاً موحداً للتوثيق والإعلام ضرورة لحفظ التضحيات وتعزيز حضور قضية الجنوب العربي، وبناء تأثير دولي فاعل.