شبوة برس – خاص
رصد شبوة برس ما يطرح من مخاوف بشأن تحوّل الحرب اليمنية من صراع سياسي وعسكري إلى صراع تحكمه العقائد والرايات والهويات المذهبية. والخطر الأكثر إثارة للقلق أن يجد الجنوب العربي نفسه، بفعل التوسع المتزايد للقوى الدينية المسلحة، أمام نموذج يشبه أفغانستان؛ حيث تبدأ الجماعات باعتبارها أدوات في معركة، ثم تتحول مع الوقت إلى قوى مستقلة تمتلك السلاح والنفوذ والمشروع الخاص.
والتجربة اليمنية نفسها تقدم إنذاراً مبكراً. فقد وثّقت الأمم المتحدة منذ سنوات صعود جماعات سلفية مسلحة في عدن وتعز، وأشارت إلى أن الحرب دفعت بعض التيارات السلفية من النشاط الدعوي إلى حمل السلاح، بينما ساهم الخطاب المذهبي المتبادل في زيادة الاستقطاب. كما تشير دراسات حديثة إلى أن الصراع اليمني شهد تفاعلاً بين قوى إسلامية سنية وشيعية، بما عزز ديناميات الاستقطاب العقائدي.
المشكلة هنا ليست في التدين ولا في السلفية بوصفها اتجاهاً فكرياً، وإنما في تحويل أي تيار ديني إلى قوة عسكرية مسلحة تصبح هويتها العقائدية أعلى من هوية الدولة والمجتمع. فعندما يصبح السلاح مرتبطاً بالبطاقة المذهبية، يصبح الخصم قابلاً للتحول من منافس سياسي إلى عدو ديني، وحينها تتراجع قيمة القانون والمواطنة، ويصبح الانتقام قابلاً للتبرير بالشعارات والفتاوى.
والجنوب العربي تحديداً لا يحتمل تجربة من هذا النوع. فقد عرف منذ حرب 1994 كيف يمكن توظيف الخطاب الديني في الصراع السياسي؛ إذ وثّقت دراسات تاريخية استخدام فتاوى دينية لتبرير القتال ضد الجنوب، كما أشارت إلى بقاء مقاتلين عُرفوا باسم «الأفغان العرب» بعد انتهاء الحرب.
لهذا فإن الخوف من «أفغانستان جديدة» ليس مجرد استعارة أدبية. التجربة الأفغانية أظهرت كيف يمكن للحرب الطويلة أن تنتج جماعات مسلحة ذات مشاريع تتجاوز حدود المعركة الأصلية، فيما شهدت أفغانستان لاحقاً تنافساً وصداماً بين طالبان وتنظيمات جهادية أخرى، بينها تنظيم الدولة الإسلامية في خراسان.
والأخطر أن يتحول الجنوب إلى ساحة لتصفية صراعات مذهبية مستوردة، فيصبح الانتماء المذهبي معياراً للثقة والخيانة، ويعاد إنتاج المذابح على أساس الهوية، كما حدث في مراحل مختلفة من حروب المنطقة.
إن الجنوب يحتاج إلى دولة ومؤسسات وقانون وجيش وطني، لا إلى تعدد الرايات العقائدية. فحين تتقدم العقيدة المسلحة على السياسة، يصبح من السهل أن تبدأ الحرب تحت عنوان مواجهة خصم محدد، ثم تستمر بعد اختفاء الخصم لأن الجماعات المسلحة تكون قد صنعت لنفسها قضية جديدة وعدواً جديداً.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية: ليس السؤال من يملك السلاح اليوم، بل ماذا سيحدث عندما يصبح السلاح مرتبطاً بعقيدة مذهبية، وتصبح الدماء قابلة للتصنيف على بطاقة الهوية.
منع هذا المسار مسؤولية سياسية وأمنية ومجتمعية. فالجنوب العربي لا يحتاج إلى حرب حروب جديدة، ولا إلى نسخة أخرى من أفغانستان أو سوريا أو العراق، بل إلى مشروع سياسي يحمي المجتمع من التطييف، ويمنع تحويل المساجد والهوية والمذهب إلى أدوات للقتال والثأر.
فالدم الجنوبي أغلى من أن يصبح وقوداً لحرب مذهبية لا تنتهي.
*- رأي شبوة برس
