نضال عائلي مُشترك!…

    بينما يستيقظ المواطن المطحون باحثاً عن أسطوانة غاز أو كسرة خبز تسد رمق أطفاله، يجلس “مسؤول الفنادق” في جناحه الفاره خارج البلاد ليمارس هوايته المفضلة في “الزئير” الإعلامي! متوعداً بسحق الخصوم “الحوثيين”، وتطهير البلاد حتى آخر قطرة من حبر بياناته الصحفية. لكن المفارقة الساخرة التي لم تعد سراً على أحد، هي أن هذا المسؤول “المناضل” ترك شقيقه في الطرف الآخر يمارس ذات النضال “ضط العطوان”، ولكن بالنسخة المعاكسة، ليدير منصبًا رفيعًا في سلطة الحوثيين!.

إنها الاستراتيجية العائلية الأقوى في تاريخ الحروب والأزمات: تقاسم براغماتي للمواقف والمغانم وعابر للجبهات. فإذا مالت الكفة لطرف فالأخ هناك حاجزٌ للمقعد ومؤمّنٌ للمغانم والعقارات والمكانة القبلية، وإذا مالت للطرف الآخر فالأخ هنا جاهز بالخطابات الرنانة والولاءات الجاهزة للتصدير .. لا خلاف أيديولوجي حقيقي يفصل بينهما، ولا قضية وطنية تؤرق مضجعهما، بل هو اتفاق “جيني” غير مكتوب على استمرار النفوذ، وجني المكاسب المالية من بورصة الحرب المشتعلة.

تتجلى هذه الكوميديا السوداء بأبهى صورها في الأنباء والقصص التي تضج بها مواقع التواصل الاجتماعي (إن صحت)، مثل تلك التي تتحدث عن مكرمات بعض مسؤولي الإعلام واستقدام ناشطات وإعلاميات من الأطراف الأخرى إلى العواصم الفارهة، وإغداق الرواتب الفلكية عليهن التي تصل إلى آلاف الدولارات، في الوقت الذي يتضور فيه الإعلامي والصحفي والموظف في الداخل جوعاً بسبب انقطاع المرتبات منذ سنوات. ورغم أن هذه الأرقام والقصص قد يبالغ فيها الخصوم في إطار المعارك الإعلامية المتبادلة، إلا أن الشارع يبتلعها بسهولة وبساطة، لأن سلوك هذه النخبة ومؤشرات الفساد والمحسوبية تجعل من أي موبقة إدارية أمراً متوقعاً وقابلاً للتصديق.

الأمر يتجاوز مجرد إشاعة ليتحول إلى ظاهرة ابتزاز علني واستثمار سياسي يدفع ثمنه الشارع، بينما تبحث هذه الديناصورات السياسية عن زيادة أرصدتها البنكية وتأمين مستقبل سلالاتها. إنهم يتحدثون عن الوطن وحقوق المواطن أمام الشاشات والميكروفونات، ويهرعون خلف مصالحهم الضيقة خلف الكواليس المعتمة. لقد تحولت الحرب في وعي هؤلاء من مأساة وطنية وإنسانية يجب إنهاؤها فوراً، إلى منجم استثماري لا ينضب، ليبقى المواطن وحيداً في مهب الريح، يدفع فاتورة الدماء بينما يدفع الآخرون فواتير الإقامة في الفنادق ذات ال 5 + 2 نجوم.

تحياتي