براغماتية المضائق
تُسقط واشنطن ورقة الشعارات الأيديولوجية عندما يمسّ الأمر أمن طاقتها وممراتها البحرية الاستراتيجية.
التصريحات المفاجئة والغريبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونائبه جي دي فانس بشأن فتح “قنوات اتصال ومحادثات مباشرة” مع جماعة الحوثيين كشفت بوضوح كيف تدار اللعبة السياسية خلف الكواليس.
فرغم التحالف الاستراتيجي التاريخي الذي يربط أمريكا بالسعودية، إلا أن الإدارة الأمريكية لا تتردد في الجلوس مع خصوم حلفائها إذا ما فرضت الميدانيّات واقعاً لا يمكن تجاوزه.
الدافع الأساسي وراء هذا التحول البراغماتي هو سيطرة الحوثيين الميدانية الأخيرة على مضيق باب المندب وجزيرة ميون الاستراتيجية.
بالنسبة لواشنطن تحول البحر الأحمر إلى شريان مهدد للاقتصاد العالمي، وهو خط أحمر تضطر معه لفتح خطوط ساخنة لتأمين سفنها وتجنب أي اشتعال شامل في المنطقة لاسيما في ظل المواجهة الأوسع مع إيران.
ورغم النفي الحوثي العلني للتواصل لإرضاء الحاضنة الشعبية تحت شعار “الموت لأمريكا”، إلا أن تصريحات فانس الرسمية أكدت أن القنوات الخلفية نشطة لتجنب الصدام المباشر وحماية الملاحة.
المحير في المشهد يكمن في كيفية توفيق أمريكا بين هذا التفاوض وبين تحالفها مع السعودية، خاصة بعد كشف ترامب أن الرياض طلبت تدخلاً عسكرياً أمريكياً مباشراً لضرب الجماعة عقب تمددها على السواحل.
الموقف الأمريكي جاء حاسماً بـ “الرفض”، مقتصراً على تقديم الدعم الاستخباراتي وتحديد الأهداف دون التورط بضربات مباشرة.
تفسر عقيدة “أمريكا أولاً” هذا السلوك، فواشنطن ترفض خوض حروب بالوكالة عن حلفائها لحماية مصالحهم الخاصة، وتفضل إدارة الأزمات بسياسة “العصا والجزرة” التي تضمن بقاء خيوط اللعبة كاملة تحت إدارتها المباشرة.
هذا التناقض الظاهري يعكس رغبة واشنطن في استخدام الأطراف كأوراق ضغط متبادلة، فهي تبتز الحلفاء بفتح خطوط مع الخصوم، وتكبح جماح الفاعلين الجدد بالتلويح بعلاقاتها العميقة مع القوى الإقليمية التقليدية.
في النهاية تثبت هذه التطورات أن السياسة الدولية لا تحكمها المبادئ الأخلاقية الثابتة، بل المصالح المؤقتة وأدوات النفوذ الفعلي على الأرض.
الحوثيون يسعون لانتزاع اعتراف سياسي كـ “سلطة أمر واقع” وحماية أنفسهم من ضربات قاصمة، بينما تستخدمهم أمريكا كأداة توازن وابتزاز إقليمي.
إنها “العداوة المنضبطة”، حيث ترتفع أصوات الموت للشعوب في العلن، بينما تُصاغ الصفقات والتفاهمات في الغرف المغلقة لتأمين ممرات التجارة ومنابع النفط.
