أعادت تصريحات حيدر أبو بكر العطاس عبر برنامج “الذاكرة السياسية” فتح جروح الماضي المثخنة بالدماء.. إذ ساق اتهامات مباشرة ل علي سالم البيض و سعيد صالح بتصفية عبد الفتاح إسماعيل في أحداث 13 يناير 1986 الدامية.
وفي خضم هذا السجال جاء الرد المستفيض والمحوري من أحمد عبد الله المجيدي ليفند تلك الاتهامات بالوقائع.
وأكد المجيدي أن عبدالفتاح قتل داخل مدرعة تعرضت لقصف مباشر، مستنداً لتقارير لجان التحقيق، ومذكراً بأن العطاس كان خارج البلاد حينها (في الهند)، مما يجعل شهادته سماعية تفتقر للموثوقية العينية.
ورغم أهمية توضيح المجيدي لتفنيد صراعات الأجنحة الحزبية، إلا أن هذا السجال يثير علامة استفهام أخلاقية كبرى:
لماذا ينشغل قادة الحزب الاشتراكي السابقون بتبرئة أنفسهم من الصراعات البينية، بينما يلوذون بالصمت المطبق تجاه الضحايا الأوائل الذين سحقهم النظام منذ مطلع السبعينيات؟
إن التركيز على أحداث يناير 1986 يمثل انتقائية صارخة وتزييفاً لوعي الأجيال.. فقبل “صراع الرفاق” بقرابة عقد ونصف، وتحديداً منذ عام 1972، شهد جنوب اليمن موجة تصفيات ممنهجة بدوافع أيديولوجية ماركسية تحت شعارات “الصراع الطبقي” ومحاربة “الإقطاع والرجعية”.
لقد طالت تلك المقاصل النسيج الاجتماعي والقبلي والديني في العمق، وعُرفت تاريخياً بـ “انتفاضات الفلاحين” وعمليات “السحل والتصفيات للعلماء”.
لقد غُيبت جرائم مروعة نُفذت بحق السلاطين والمشائخ والأمراء وأعيان القبائل، الذين نُهبت ممتلكاتهم وشُرّد أهلهم أو أُعدموا وتم اخفاء مصيرهم الى اليوم .
كما لم يسلم علماء الدين والفقهاء من التنكيل؛ إذ جرى تصفية رموز دينية وازنة بتهم واهية، وطُمست الهوية المحافظة للمجتمع لمصلحة أيديولوجيا مستوردة.
إن هؤلاء الضحايا لم يكونوا مجرد أرقام، بل كانوا ركائز الاستقرار والسلم الأهلي.
لقد كان هروب قادة تلك المرحلة من مسؤوليتهم الأخلاقية والقانونية تجاه ضحايا السبعينيات ينبع من الخوف من المساءلة والملاحقة الحقوقية، وتجنباً لفتح ملفات المحاكمات ورد الاعتبار.
إن اختزال تاريخ الجنوب في صراعات قادة الحزب الاشتراكي (من قَتَل ومَن بَرِئ) هو طمس للحقائق؛ فالحقيقة التاريخية ستظل عوراء ما لم تُفتح كل الملفات دون انتقائية. إن إنصاف ضحايا السحل والتصفيات من السلاطين والمشائخ والعلماء وإعادة الاعتبار لإرثهم هو الحجر الأساس لأي مصالحة وطنية حقيقية وعدالة انتقالية شاملة تطوي صفحة الماضي المظلمة بصورة نهائية