*- “شبوة برس – خاص”: تعليق خاص
رصد ومتابعة محرر شبوة برس منشورًا للكاتب والصحفي ماجد الداعري، أرفقه بصورة لرجل مسن يبحث عن الطعام داخل حاوية قمامة، في مشهد يجرح الضمير الإنساني قبل أن يكون قضية سياسية، ويعكس قسوة الفقر وتدهور الأوضاع المعيشية.
وقال الداعري: “لعنة الله وخلقه أجمعين على كل من أوصل شعبه إلى الأكل من القمامة، وهم في فنادق الخارج ينعمون بمقدرات بلدهم ويسرفونها رواتب بالدولار دون أي وجه حق.. قولوا آمين”.
وفي “شبوة برس” نقولها بوضوح: لا يجوز اختزال هذه الكارثة في شخص رشاد العليمي وحده، مهما كانت مسؤوليته عن سياسات السلطة وفشلها. فالعليمي لم يحكم في فراغ، ولم يصنع منظومة السلطة منفردًا، ولم يكن قادرًا على الاستمرار في موقعه لولا شبكة سياسية وعسكرية وإدارية توفر له الغطاء والحماية والدعم.
وهنا تقع المسؤولية أيضًا على القيادات والشخصيات المرتبطة بحزب الإصلاح اليمني والتيار السلفي اليمني والجنوبي العربي، ممن يشاركون في مؤسسات السلطة والقرار، ويمتلكون نفوذًا سياسيًا وعسكريًا وأمنيًا وإداريًا، أو يشغلون مواقع في مجلس القيادة الرئاسي والحكومة والمحافظات والمؤسسات العسكرية والأمنية.
“فمن يملك القوة والنفوذ والقرار لا يستطيع أن يتحدث عن نفسه باعتباره متفرجًا على المأساة.”
إذا كان الإخوان المسلمون وحزب الإصلاح يمتلكون نفوذًا واسعًا داخل مؤسسات الدولة والقوات التابعة للسلطة، فعليهم أن يجيبوا بوضوح: ماذا فعلوا عندما وصل الفقر بالناس إلى البحث عن الطعام في حاويات القمامة؟
وإذا كانت قيادات وشخصيات سلفية تشارك في مواقع القرار، ولها حضور في مؤسسات الدولة والقوات العسكرية والأمنية، فعليها هي الأخرى أن تجيب السؤال ذاته: أين موقفها الديني والأخلاقي والسياسي من إذلال الفقراء وتجويع المواطنين؟
لا يكفي أن يرفع السياسي شعار الإسلام، ولا أن يتحدث المسؤول عن التقوى والشرعية، ولا أن يملأ الداعية المنابر بالحديث عن الصدقة والزكاة وحقوق الفقراء، ثم يصمت عندما يتحول الفقر إلى إذلال، ويصبح المواطن مضطرًا للبحث عن قوته بين النفايات.
“هذه ليست قضية عاطفية، بل قضية مسؤولية.”
من يشارك في القرار يتحمل جزءًا من المسؤولية. ومن يمتلك النفوذ ولا يستخدمه لوقف الظلم يتحمل مسؤوليته. ومن يستطيع إيصال صوت الجائع إلى أصحاب القرار ثم يختار الصمت، لا يستطيع أن يقدم نفسه بريئًا من المشهد.
أما القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية التي تشكلها أو تدعمها قوى سياسية ودينية، فإن وجودها لا ينبغي أن يكون غاية في ذاته. وظيفة القوة في أي مجتمع هي حماية الإنسان والدولة والمصالح العامة، لا أن تتحول إلى مظلة لحماية سلطة سياسية بينما ينهار المواطن اقتصاديًا ومعيشيًا.
ومن هنا فإن “شبوة برس” لا تعفي أحدًا من المسؤولية: لا رشاد العليمي، ولا الوزراء والمسؤولين، ولا المحافظين، ولا القيادات السياسية، ولا القوى العسكرية، ولا القيادات المرتبطة بالإخوان أو التيارات السلفية التي تمتلك نفوذًا فعليًا داخل منظومة الحكم.
وليست القضية أن نلعن طرفًا ونبرئ طرفًا آخر. القضية أن نسأل كل صاحب سلطة ونفوذ: “ماذا فعلت لإنقاذ الناس؟”
أما العليمي، فإن استمرار السلطة في ظل هذا المستوى من المعاناة يضعه في مقدمة من يجب أن يتحملوا المسؤولية السياسية عن نتائج سياسات الحكم، ولا يجوز له أن يتعامل مع مأساة الجوع باعتبارها مجرد أزمة خدمات أو ظرفًا اقتصاديًا عابرًا.
وأما القوى التي تدعمه أو تشاركه الحكم أو توفر له الغطاء السياسي والعسكري من إخوان وسلفيين، فعليها أن تدرك أن الدعم ليس مجانيًا من الناحية الأخلاقية؛ فمن يملك القدرة على التأثير في القرار ثم يستخدمها لحماية مواقع ومصالح سياسية، بينما يموت الفقراء جوعًا، سيبقى شريكًا في المسؤولية السياسية والأخلاقية عن النتائج.
“وفي يوم الحساب، لن تكون الألقاب والمناصب والأحزاب والتيارات أعذارًا.”
سيبقى السؤال بسيطًا وثقيلًا: “ماذا فعلتم عندما كان الناس جائعين؟”
فإذا كان بعض آبائنا وأمهاتنا وأبنائنا في الجنوب العربي قد وصلوا إلى حاويات القمامة بحثًا عن الطعام، فإن كل خطاب ديني عن الرحمة والعدل والتكافل يصبح بلا قيمة إذا لم يتحول إلى موقف عملي لنصرة هؤلاء الناس.
اللهم عليك بالظالمين ومن خانوا الأمانة وأكلوا المال العام بغير حق، ومن استغلوا حاجة الفقراء لمصالحهم، ومن امتلكوا القدرة على رفع الظلم عن الناس ثم اختاروا مصالحهم ومناصبهم. اللهم أرِ المظلومين عدلك فيمن ظلمهم، ولا تجعل للظلم والفساد والإثراء على حساب الجائعين عاقبة إلا الحساب والخزي.
“شبوة برس” تقولها دون مجاملة: من جلس على مقعد القرار لا يحق له أن يتصرف كأنه خارج المشهد. ومن امتلك السلاح والنفوذ والمنصب والقدرة على التأثير، ثم ترك المواطن يصل إلى حاوية القمامة، فعليه أن يتحمل مسؤوليته أمام الشعب وأمام الله.. ولن نكرر لعنات الداعري على من يستحقها ولكن نقول لهم سنكون شهودا عليكم أمام الحق سبحانه وتعالى يوم الحساب وقد رفعنا الصوت عاليا من هول هذه المأساة..
