الجزء الثاني من مقابلة دولة السيد حيدر أبوبكر العطاص الصحفية
الجمعة - 14/11/2008 - 02:45:17 مساء
الجزء الثاني من مقابلة دولة السيد حيدر ابو بكر العطاس
&> بصرف النظر عن أية انتقادات توجه للحكم في الجنوب قبل الوحدة، فالمعروف أن القرار كان لقيادة جماعية، ربما كان هناك في فترات حضور قوي لشخص أو لآخر في المواقع الرفيعة، لكن القرار دائماً كان يصدر من الهيئات، كيف، إذاً، تمكن أمين عام الاشتراكي حينها أن يقنعكم بتجاوز قرارات كان هو مشاركاً في اتخاذها داخل الهيئات؟
- القضية حساسة ودقيقة جداً. الحاصل أن المواقف، وبخاصة الموضوعية والعقلانية، تفسر بشكل خاطئ، بوسعك القول بأن ضرباً من الإرهاب الفكري كان موجوداً، مثلما يحدث الآن فيما يخص النقاش حول الحراك الجنوبي. كان الأمر وقتها يقدم الوحدة اليمنية في شكلها الاندماجي كمسلمة لا يجوز المساس بها، وهذا عين الخطأ.
&> هل ناقشت علي سالم البيض بشأن ما جرى، سواء قبل التوقيع على اتفاقية الوحدة أم بعدها، أم عندما قرر اختصار الفترة الانتقالية للتعجيل بالوحدة؟
- نوقش هذا الموضوع قبل اتفاقية 30 نوفمبر. الذي حدث أنه في أواخر 1987 عندما طرحت فكرة الإصلاح السياسي والاقتصادي في (الجنوب)، تشكلت لجنة برئاسة سالم صالح محمد، وكان في عضويتها إلى جانبي الدكتور ياسين سعيد نعمان وجار الله عمر وآخرون من قيادات الاشتراكي (من الشمال كما من الجنوب). قدمت اللجنة تقريراً ورد فيه أنه لا يجب التفكير بالوحدة (مع الشمال) قبل (انقضاء) 10 سنوات من الآن، وفجأة وقبل أن تنقضي حتى 10 أشهر تمت الوحدة.
في عامل خارجي، هذا مؤكد، ويوجد أيضاً عامل نفسي، ومورست تأثيرات وتكتيكات مع بعض الإخوان فتمت الوحدة الاندماجية.
أقول هذا ليس بقصد إدانة أحد أو إخلاء مسؤوليتي.
&> تعلم أستاذ حيدر أنه في موضوع الوحدة كان دوماً يُستحضر العامل الخارجي وكانت الفكرة المركزية، وأظنها لا تزال، هي أن هناك "فيتو دولي" ضد توحد العرب، أو حتى توحد اليمنيين، والذهنية الوحدوية الحاكمة كانت تقول بانتهاز أية فرصة تسنح لتحقيق الوحدة الآن لأنها قد لا تتكرر؟
- هذا للأسف تفكير عاطفي. كان من الممكن أن تتحقق الوحدة بغير طريق الاندماج، بالكونفدرالية بدايةً، وهي نوع من أنواع الوحدة، أو بالفيدرالية.
&> لكن هاتين الصيغتين (الكونفدرالية والفدرالية) كانتا منبوذتين عند القوميين العرب، وتعلم أن جذور النخبتين الحاكمتين في الشمال والجنوب هي قومية عربية؟
- ربما، والسبب أن من طرح فكرتَيْ الفدرالية والكونفدرالية هو المستعمر الغربي. طرح هذا مثلاً في صيغة الجامعة العربية، وفي الجنوب.
واللافت أنه في الوقت الذي طرحت فكرة الفدرالية في الجنوب، طرحت أيضاً في الإمارات وماليزيا، نجحت الإمارات ونجحت ماليزيا، وخسر الجنوب لأنه رفض هذا المقترح.
الوحدات الناجحة هي تلك التي تراعي خصوصيات أعضائها.
وفيما يخص الوحدة المصرية- السورية، فإن الأشخاص (السوريين) الذين ضغطوا على جمال عبدالناصر من أجل إعلان الوحدة فوراً، هم أول من انقلبوا عليه.
&> هل تشير إلى انقلاب مماثل في التجربة اليمنية، بمعنى أن الأشخاص من الجنوب الذين تحمسوا لوحدة اندماجية انقلبوا عليها سريعاً؟
- بعد الوحدة مباشرة بدأت المشاكل تظهر، والمتحمسون للوحدة بدؤوا يقلقون مما يجري.
قبل هذا نحن حاولنا تدارك ما لم يؤخذ في الاعتبار قبل الوحدة. على سبيل المثال، اقترحنا إعداد وثيقة بين المؤتمر والاشتراكي تحدد الإطار العام للسياسات العامة، وهذا بعد شهور من تحقيق الوحدة، وتشكلت لجنة من العزيزين عبدالعزيز عبدالغني، وسالم صالح محمد، وآخرين، وفشلت اللجنة.
&> هل طرحت اللجنة اندماج الاشتراكي والمؤتمر بحيث يحكم الدولة الوحدوية حزب واحد؟
- لا، هذا حدث لاحقاً.
الحاصل أنني في مجلس الوزراء كنت أواجه المشكلة لأن مجلس الوزراء معني بتسيير الأمور والإدارة. عندما فشلت اللجنة اقترحت أنا برنامجاً للإصلاح السياسي والاقتصادي.
البرنامج أقر من مجلس الوزراء لكنه رُفض من القيادة السياسية. أنا تمسكت بالبرنامج محتجاً بكوني أرأس حكومة، وأنتم (قيادتا المؤتمر والاشتراكي) لا تريدون الاتفاق على إطار سياسات، والظريف وقتها أن من بين الانتقادات لبرنامجي للإصلاح هو لفظة "الإصلاح" حيث قال بعض الإخوان: كل شيء تمام (في البلد)، ما الذي تريد إصلاحه، وقد قاموا بتغيير عنوان البرنامج من "برنامج الإصلاح" إلى "برنامج البناء الوطني والسياسي". قبلنا، وبعد إقرار البرنامج في 11 ديسمبر 1991 من قبل مجلس النواب، بدأنا تنفيذه فبدأت المشاكل، بدأت الاغتيالات، حيث تم استهداف (عبدالواسع سلام) وزير العدل بعد إقرار الحركة القضائية، فضلاً على استهداف عمر الجاوي الذي كان من دعاة الوحدة الحقيقية، واستشهد وقتها حسن الحريبي.
استهدفت أنا، حيث تم الاعتداء على منزلي، وكذا تم قصف منزل ياسين سعيد نعمان حيث أُطلقت قذائف على غرفة نومه، وتم اغتيال العشرات، والهدف هو إرهاب الناس، ومنعهم من المضي قدماً في ترسيخ الوحدة التي تدوم وتحقق مصالح الشعب، فانفجرت الأوضاع.
&> دعني أعود إلى مسألة عدم توقيعك على اتفاقية الوحدة. أنت كنت رئيس هيئة رئاسة مجلس الشعب الأعلى، وكنت المخول دستورياً بالتوقيع؟
- نعم، لأن رئيس هيئة رئاسة مجلس الشعب الأعلى هو المخول بالتوقيع في كل ما يخص علاقاتنا الخارجية.
&> أنت كنت ممن حضر جلسة التوقيع، فكيف تم تفسير عدم توقيعك، والاكتفاء بتوقيع أمين عام الحزب؟
- كانت النظرة عاطفية عند الناس بشأن الوحدة، وكان يكفي أن يتولى أي قيادي التوقيع عليها.
تصور أننا دُعينا إلى حفل التوقيع بعد أن كنا قد غادرنا الاجتماع إلى بيوتنا، وكان الإخوان من الشمال يتأهبون للسفر إلى صنعاء.
لم يكن أمر توقيعي محل اهتمام، لكن الأخ علي عبدالله صالح كان يؤكد على ضرورة مشاركتي.
&> هل اتصل بك الرئيس أو طرح موضوع عدم توقيعك حينها؟
- لا. لم يحصل ذلك.
&> وهل طرحه في أي وقت لاحق؟
- لا. لكنني شعرت أنه متضايق، لأنه كان مصمماً على أن أشارك في التوقيع إلى جانب علي سالم البيض، لأنه رئيس الجمهورية العربية اليمنية وأمين عام المؤتمر الشعبي العام.
&> وعندما كان علي سالم البيض يعبِّر لاحقاً عن مواقف حادة جراء شعوره بالخذلان من الرئيس صالح هل حصل أن قيل له: أنت المسؤول عن إيصالنا إلى هذا المأزق؟
- على ما أظن فإن بعض الأصوات قالت له ذلك، وما تزال تقول حتى الآن. لكن الأمر مسؤولية مشتركة وجميعنا يتحمل مسؤولية القرار.
&> قمت بإعداد ورقة بعد توقيع 30 نوفمبر، ومع ذلك تم مجدداً اختصار الفترة الانتقالية، فحدثت بعد الوحدة أزمات عديدة، وشهدت اغتيالات واعتكافات وانقسامات، وصولاً إلى الحوار الوطني الذي كنت تدير جلساته...
- (مقاطعاً) وقد كانت هناك معارضة لإدارتي جلسات الحوار.
&> ممن كانت المعارضة؟
- طرف الشمال، كانوا يقولون: أنت رئيس وزراء، ومشاغلك عديدة، روح تفرغ لها (ضحك). لما جاءت الأزمة السياسية كان الطرف الأول المتأثر بها هو الحكومة، وبالتالي بدأنا نعمل على معالجة هذه الأزمة ببذل الجهود مع كل القوى السياسية للتوصل إلى وثيقة العهد والاتفاق التي كان من الممكن أن تلململ الوضع وتضع الوحدة على "السكة" الصحيحة، وكنا سنتجنب المسار الذي حدث وما يحدث اليوم، ولكن لأن هناك خطاً ثانياً كان لا يريد ذلك، وهذا الخط كانت تمثله صنعاء، وهو امتداد لخط الإمام الذي كان يعتبر الجنوب تابعاً له.
&> الإمام يحيى كان يقول: هذه البلاد (أي الجنوب) هي ملك آبائي وأجدادي؟
- نعم. وهذه هي السياسة نفسها التي واجهناها. ، نحن في الجنوب شعب، وشعب حي توحد في 1967 في دولة، وهذا التوحد تم فيه مراعاة الخصوصيات. لم يرسلوا ناس من أي منطقة ليحكموا حضرموت أو المهرة، أو يأتوا بناس من حضرموت والمهرة ليحكموا الضالع أو يافع.
&> هذا الأمر له مسوِّغ، فالجبهة القومية هي وريث حركة القوميين العرب، والحركة كان لها حضور في كل مناطق الجنوب؟
- لم يحدث ما حدث الآن حيث تم تفريغ كل منطقة من قوتها وخصوصيتها، وإقصاء أبناء كل منطقة عن شؤون منطقتهم وقوتهم، هذا ما يجري في الجنوب، وإقصاء أبناء الجنوب عموماً من عدن إلى المهرة، من أي شيء يخص الجنوب ومن القرار السياسي الفعلي، إقصاؤهم من الاقتصاد ومن الجيش ومن الوظيفة، ومن القرار السياسي. هذا ما ولد المشكلة الحالية، وهذه المشكلة لن تحل إلا بإعادة تصحيح الوضع، أو أن الجنوبيين سيذهبون إلى مسار آخر.
&> بالعودة إلى وثيقة العهد والاتفاق، تعلم أنها تضمنت بنوداً آنية وإجرائية، كتسليم القيادات المشتبه بها في تنفيذ أو الإيعاز بجرائم اغتيال ضد قيادات اشتراكية أو غير اشتراكية، وأخرى ذات طابع خاص كان من الصعب تنفيذها لأنها تمس شخصيات محسوبة على الرئيس علي عبدالله صالح. ياسين سعيد نعمان على سبيل المثال طرح قبيل انفجار الوضع عسكرياً إمكانية تأجيل بعض البنود، وليس من الضروري تنفيذ الوثيقة بدءاً من البند الأول، والبدء بالبنود ذات الصلة ببناء الدولة؟
- الوثيقة من قسمين، الأول إجرائي خاص بممارسات تمت وأدت إلى الأزمة السياسية، وكان الغرض منها إعادة الثقة.
لكن الجزء الثاني كان لبناء الدولة وتصحيح مسار الوحدة.
بالنسبة للجزء الأول فقد أُخذ بحساسية من الطرفين، مع أنه كان من الممكن أثناء التطبيق أن يكون هناك مراعاة شريطة الانتقال إلى تنفيذ الجزء الثاني. كان من أهداف الجزء الأول القيام ببعض الإجراءات التي تستعيد الثقة، لكنهم (الشمال) لم يكونوا يريدون ذلك.
الأخ علي عبدالله صالح قال في الأردن (عند التوقيع على الوثيقة في فبراير 1994): لو كان المجرم عند باب بيتي فلن أمسكه (أقبض عليه).
&> لمن قال هذه العبارة؟
- قالها بحضور الملك حسين وعلي سالم البيض وآخرين
المحرر :
شبكة شبوة برس - النداء