رجل الدين والعودة لأهل الاختصاص .. يالها من حيلة! - عمران سلمان
الأحد - 05/10/2008 - 01:22:57 مساء
رجل الدين والعودة لأهل الاختصاص .. يالها من حيلة! - عمران سلمان
في سعيهم للحفاظ على دورهم ومصالحهم يلجأ رجال الدين المسلمين إلى حيلة مكشوفة، مفادها أنه يجب العودة إلى أهل الاختصاص. فمثلما نذهب إلى الطبيب في حالة المرض ونسأل المهندس المدني في أمور البناء، وفي القضايا القانونية نلجأ إلى المحامي، فإننا في الشؤون الدينية يجب أن نذهب إلى رجل الدين!
مقارنات في غير محلها
هذه المقارنات عدا أنها خاطئة فهي مضللة أيضا (رغم مظهرها الخارجي المنسجم). فليس صحيحا أن دور رجل الدين يشبه دور أي من هؤلاء، كما أن الدين ليس مثل المحاماة أو الهندسة أو الطب.
الحاجة إلى الطبيب متوقفة على من يصاب بالمرض، والمرض مسألة ظرفية وليست في كل وقت. وكذلك الأمر بالنسبة للبناء أو الوقوف أمام المحاكم. أما الدين فهو مسألة مستمرة في جميع الاوقات ويتعلق بكافة الناس.
كما أن أي من تلك المهن محدود من حيث الجوهر، فهي تتعلق بجانب واحد من حياة الإنسان، أما الدين فإنه يتعلق بجميع جوانب حياة الإنسان.
وفي حين أن رأي الطبيب أو المهندس أو المحامي هو أقرب إلى المشورة التي يمكن الأخذ بها أو تركها، فإن رأي رجل الدين ملزم وواجب التنفيذ.
إن رجل الدين هنا لا يمارس مهنة محددة بشروط ومواصفات معينة، وبحيث تنتفي الحاجة له بانتهائها، وإنما هو يظل محتفظا بدوره منذ أن يضع العمامة على رأسه وحتى يتوفاه الله.
وحتى تلك الحيلة المكشوفة – حيلة أهل الاختصاص - التي يستخدمها رجال الدين فإنهم لا يلتزمون بها، فهم يتدخلون في جميع الاختصاصات الأخرى، ويفتون يمنة ويسرة، ليلا ونهارا، في كل شي وأي شيء. إذ لم يجد زعيم حزب التجمع اليمني للإصلاح الشيخ عبد المجيد الزنداني غضاضة في منافسة الأطباء والباحثين حيث ادعى أنه اكتشف علاجا لمرض الإيدز!
العودة لأهل ختصاص
الهدف هنا هو احتكار الفضاء الديني بيد رجل الدين، وبحيث لا يحق للكاتب أو المفكر أو المثقف أو الإنسان العادي، أن يتحدث في أمور الدين أو يبحث في شؤونه أو يتأمل في أحكامه. لا يحق له أن يسائل القضايا الإشكالية في الدين أو يعترض على تفسيرات الأقدمين، أو يقدم رويته وفهمه للنصوص.
فهذه الأمور هي من اختصاص رجل الدين وحده، وما على الآخرين سوى أن يسلموا له بهذا الأمر، ويتركوه يقودهم إلى حيث يشاء. وإذا تجرأ أحد واعترض على ذلك فإن شعار "أهل الاختصاص" له بالمرصاد.
الدور التقليدي لرجل الدين
وليست هناك مشكلة في أن يحتفظ رجل الدين بدوره المعتاد في مباشرة أمور الزواج والولادة والوفاة وقيادة المؤمنين أثناء الصلاة، فهذه ارتبطت تقليديا برجل الدين، سواء كان مسلما أومسيحيا أو يهوديا أو غيره.
المشكلة في حالتنا أن رجل الدين المسلم لا يكتفي بهذه الأمور التقليدية، وإنما هو يمد نفوذه إلى جميع جوانب الحياة الاخرى، من السياسة إلى الاقتصاد إلى الأخلاق إلى الشؤون الخاصة للأفراد. فهو يريد ان يكون مركز الثقل ومحور الأشياء.
كما أنه ليست هناك مشكلة في أن يقتصر نفوذ رجل الدين على جماعة المؤمنين ممن يقصدونه في الرأي أو المشورة. ولكن المشكلة هي في أنه يسعى للنفوذ والهيمنة على جميع المواطنين.
فصل المؤسستين الدينية عن السياسية
بيد أن ما يفعله رجل الدين المسلم هنا ليس أمرا غريبا أو فريدا من نوعه في التاريخ، فقد سبق لرجال الدين المسيحي من الكاثوليك خلال العصور الوسطى أن احتكروا أيضا حق تفسير وشرح الدين. وكان كل من يناقشهم أو ينازعهم في محاولة الفهم أو التساؤل أن يواجه بمقولة أهل الاختصاص.
أما إذا أصر على رأيه، فكان جزاءه التكفير والقتل، بالضبط كما يفعل رجل الدين المسلم اليوم مع مخالفيه.
ولم تتخلص أوروبا من سطوة رجال الدين لديها إلا من خلال نزع السلطة والنفوذ الذي كانوا يتمتعون به، وإعاة تعريف دورهم في الحياة العامة، وقصر مهمتهم على الأمور التقليدية.
لم تتمكن أوروبا من حل مشكلتها مع رجال الدين سوى عبر فصل مؤسسة الدين عن مؤسسة السياسة. وبمجرد أن تم تجريد رجال الدين من نفوذهم السياسي وعلاقتهم بالسلطة، عادوا إلى كنائسهم مكتفين بمهام الوعظ وخدمة الرعية.
ولا يوجد حل لرجل الدين المسلم، سوى بإعادته إلى كنف المسجد، وفصل مؤسسة الدين الإسلامي عن مؤسسة السياسة.
أعلم أن ذلك لن يحدث بين ليلة وضحاها، ولكنه سوف يحدث في النهاية، وبمجرد أن يتحقق ذلك لن نرى رجل دين يفتي بجواز العمليات الانتحارية، وآخر يفتي بقتل ملاك القنوات الفضائية وثالث يكفر الكتاب والصحفيين ويتهمهم بالردة، ورابع يفتي بجواز زواج ابنة التاسعة، وخامس يعتبر مطاردة الفئران وقتلها واجبا مقدسا، وسادس يلخص مهمته في الحياة بمطاردة العلمانيين ويعتبر أن الراد على الفقيه كالراد على الله ورسوله، وسابع يرى في حضور القمة العربة في دمشق فرض عين على كل حاكم عربي ومن يتخلف عنها فهو آثم ... الخ.
رئيس تحرير موقع آفاق
البريد الالكتروني: omrans80@yahoo.com
شبوة برس
المحرر :
شبوة برس - افاق